ابن العربي
829
أحكام القرآن
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ، وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ . وهي الآية السادسة والعشرون . فقوله : فِي نَفْسِكَ يعنى صلاة الجهر . وقوله : وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ يعنى صلاة السرّ ؛ فإنه يسمع فيه نفسه ومن يليه قليلا بحركة اللسان . فإن قيل : فقد قال بعض الشافعية : إنما خرجت الآية على سبب ؛ وهو أنّ قوما كانوا يكثرون اللّغط في قراءة رسول اللّه ، ويمنعون من استماع الأحداث لهم ، كما قال تعالى « 1 » : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ، فأمر المسلمين بالإنصات حالة أداء الوحي ، ليكون على خلاف حال الكفار . قلنا : عنه جوابان : أحدهما - أن هذا لم يصح سنده ؛ فلا ينفع معتمده . الثاني - أنّ سبب الآية والحديث إذا كان خاصا لا يمنع من التعلّق بظاهره إذا كان عاما مستقلا بنفسه ، وبالجملة فليس للبخاري ولا للشافعية كلام ينفع بعد ما رجّحنا به واحتججنا بمنصوصه ، وقد مهّدنا القول في مسائل الخلاف تمهيدا يسكّن كل جأش نافر . الآية السابعة والعشرون - قوله تعالى « 2 » : إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ . فيها أربع عشرة مسألة : المسألة الأولى - هذه الآية مرتبطة بما قبلها ومنتظمة مع ما سبقها ؛ وهي إخبار من اللّه تعالى عن الملائكة بأنهم في عبادتهم التي أمروا بها دائمون ، وعليها قائمون ، وبها عاملون ؛ فلا تكن من الغافلين فيما أمرت به وكلفته . وهذا خطابه ، والمراد بذلك جميع الأمة . المسألة الثانية - هذه أول سجود القرآن ، وفيه خمس عشرة سجدة : الأولى هذه ، خاتمة الأعراف . الثانية في الرعد « 3 » : وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ .
--> ( 1 ) سورة فصلت ، آية 26 . ( 2 ) الآية السادسة بعد المائتين . ( 3 ) الآية 15